مذكرات القائد الشهيد أيمن شربجي رحمه الله (23): المؤامرة الكونية على السوريين وأثار عملية الأزبكية (ما أشبه الليلة بالبارحة)

(220) الحملة الإعلامية المسعورة

تناقلت وكالات الأنباء العالمية والإذاعات أخبار العملية على الفور دون تحديد نوعية الهدف، واكتفت بالإشارة إلى حدوث انفجار رهيب في مدينة دمشق.  وفي المساء أصدرت السلطة المجرمة بياناً كاذباً حول العملية، أذيع من الإذاعة والتلفزيون وأرفق البيان بعرض صور للمجرمين المضرجين بدمائهم مدعية أنهم أناس أبرياء قتلوا في حادث الانفجار.  ثم عرضت صورة الأخ الشهيد ياسين ساريج رحمه الله تعالى وطلبت من عملائها الاتصال بأقرب مركز أمني للإبلاغ عن اسمه، وتكرر عرض هذه المشاهد عدة أيام ضمن حملة إعلامية بشعة حاولت السلطة من خلالها أن تحقق عدداً من الأهداف المختلفة، وسنبين هنا كذب ادعاءات السلطة ونحاول إيضاح نواياها الخبيثة:

1-            لقد أرادت السلطة أن تؤثر عاطفياً على شعبنا الصابر وذلك بعرض صور القتلى والجرحى الملطخين بدمائهم بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ الإعلام السوري الذي دأب سابقاً على عرض صور مجاهدينا الشهداء دون عرض صور        مجرمي السلطة المقتولين آنذاك من أجل تحطيم معنويات الشعب المسلم.  أما في هذه العملية فقد اختلف الأمر إذ حاولت استدرار العطف بتقريب كاميرا التلفزيون من الجثث وإظهار مناظر الدماء عليها، ومن الطبيعي أن منظر الشخص القتيل يثير الشفقة بالنسبة للإنسان العادي، ولكن أبناء شعبنا الواعين الذين عرفوا النظام وجرائمه ما كانت هذه التهويشان الإعلامية لتغير موقفه من النظام العميل، ولو قدر لأي فرد من أبناء شعبنا أن يرى ما يحدث من جرائم وفظائع داخل سجون النظام والطغيان لطالبنا بقتل العشرات والمئات بل والآلاف من المجرمين الذين لطخوا أيديهم بدماء الأبرياء ورتعوا بفسادهم في أنحاء البلاد.  لقد لمست السلطة تعاطف أبناء شعبنا المؤمن مع مجاهديه الأبطال وخاصة في عمليات التفجير الجبارة، فأرادت أن تخفف من هذا التعاطف بتصوير مناظر القتلى والجرحى وعرضها على التلفزيون.

2-            محاولة الضغط على المجاهدين لإرباك صفوفهم الداخلية وذلك بالتهويش الإعلامي الذي حالو أن يظهر القيادة وكأنها أخطأت في انتقاء الهدف، وإن حكومة الكفر والطغيان أدرى الناس بإيمان وتقوى مجاهدينا وحرصهم على عدم إراقة نقطة دم واحدة من دماء الأبرياء، فلذلك ركزت السلطة على ادعاءاتها على أن عدداً كبيراً من الأبرياء قد قتلوا في الحادث، ولكن مجاهدينا كانوا أكثر وعياً وأشد صلابة مما تصورته السلطة.

3-            كانت السلطة تحاول كسب الوقت بأي ثمن علها تتمكن من فتح ثغرة داخل التنظيم، وبالتالي اعتقال أحد الإخوة القياديين للوصول إلى إخوة قياديين آخرين، عند ذلك يتسنى لها إيقاف العمليات إن لم تتمكن من القضاء على التنظيم.  وقد رافق هذه الحملة الإعلامية استنفار هائل وحملة اعتقالات واسعة جداً شملت قطاعات كبيرة من أبناء شعبنا الأبرياء – مدنيين وعسكريين – الذين مورست عليهم أحط وأخس أساليب التعذيب التي عرفتها البشرية.

4-            أرادت السلطة أيضاً أن تزعزع الثقة والتعاطف الكبيرين اللذين يحظى بهما مجاهدونا من الشعوب العربية لجهاد شعبنا السوري.  فالسلطة تعرف مدى متابعة الشعوب العربية لجهاد شعبنا السوري وتعرف ما يقدم من مساعدات، فحاولت تشويه الصورة وجعلها ضد الأبرياء دون أن البناء هو فرع للشرطة العسكرية.  كما قامت عدد من اشرطة الفيديو وتوزيعها على الدول العربية وعدد من الدول الغربية ذات العلاقات الحميمة مع المجرم أسد وذلك لتشويه صورة مجاهدينا أمام العالم.

استمرت إذاعات العالم ووكالات الأنباء بنقل أنباء هذه العملية لمدة أسبوع، فقد تصدرت أنباء العملية نشرات الأخبار في معظم الإذاعات واضطر النظام إلى الكشف عن بعض ما يجري في سورية وإلى فتح ملف الإخوان المسلمين من جديد.  وبدأت التحليلات عن أوضاع سورية من مختلف الإذاعات والصحف والمجلات، وقد أشار كثير من المعلقين والمحللين إلى ما يجري داخل سورية من بطش وظلم وإرهاب وتنكيل، مما دفع أبناء الشعب المسلم إلى الرد على النظام بنفس الأسلوب، كما أعيدت إلى الأذهان مجزرة تدمر الرهيبة التي قتل فيها 1000 شهيد من خيرة أبناء سورية – أطباء، مهندسون، مدرسون، علماء، طلاب – إلا أن الدول الاستعمارية تجاهلت حقيقة النظام المجرم فأرسلت برقيات التعزية والتأييد للمجرم أسد الذي أصبح في وضع نفسي مهزوز، مما دعا كبار المجرمين في العالم إلى شد أزر هذا المجرم العميل للحفاظ على مصالحهم ولسحق شعبنا المسلم في سورية.

فأرسل المجرم رونالد ريغن رئيس أمريكا برقية استنكار إلى المجرم أسد مندداً بالإرعاب والإرهابيين ناسياً أو متغافلاً عن حقيقة أساسية يعرفها كل العالم، وهي أن أمريكا منبع الإجرام وأن المسؤولين فيها وعلى رأسهم ريغن نفسه هم أكبر المجرمين في هذا العالم.  لقد استباحوا شعوباً بكاملها حين عينوا عليها حكاماً مجرمين         وأمدوهم بمقومات البقاء وأعطوهم أحدث وسائل التعذيب وعلموهم فنون التصفية الجسدية البشعة وطرائق الإجرام، ثم بعد ذلك يتشدقون بكل وقاحة وصفاقة بشجب الإرهاب والإرهابيين إذا قام شعب برد الظلم والعدوان عن نفسه بمحاربة حكامه العملاء.  استنكر ريغن عملية فرع الأزبكية للشرطة العسكرية وتجاهل حقيقة هذا الفرع القمعية ونسي أن يستنكر مجزرة تدمر الرهيبة التي قتل فيها ألف شخص من السجناء العزل من السلاح ، وعمي وصم عن مجزرة مدينة حماة التي أبيد فيها أربعون ألف شهيد من الشيوخ والأطفال والنساء ودمرت فيها أحياء بكاملها فوق أهلها وساكنيها تعادل ثلث المدينة.  وعلى غرار رسالة المجرم ريغن أرسل المجرم المقبور ليونييد برجنيف برقية إلى تلميذه المجرم أسد استنكر فيها عملية الأزبكية ونسي هذا المجرم 25 مليوناً من المسلمين أبيدوا في روسيا، ونسي دماء المسلمين في تركستان وأفغانستان التي لم تجف بعد.  لقد استنكر قتل حفنة من الجلادين المجرمين الذين أذاقوا شعبنا الأمرين وكان حري به أن يصمت خجلاً ممن يرتكبه هو ومجرموه ضد المسلمين في كل أنحاء المعمورة.

وتوالى سيل البرقيات من أكابر مجرميها، وظهر بكل وضوح أن الشرق والغرب مصمم على دعم نظام أسد، وهذا ما أكد لنا الحقيقة الكبرى التي سرنا على ضوئها وما زلنا عند قناعتنا بها ألا وهي: أن جميع حكومات العالم تحارب قيام دولة إسلامية في سورية وأن الاستعمارين الشرقي والغربي يريدان إبادة المسلمين في سورية وطمس معالمها الدينية والحفاظ على نظام المجرم أسد وعلى أزلامه الأقزام الذين باعوا سورية وشعبها مقابل كرسي الحكم.

وتأكدت الحقيقة الكبرى وهي أن شعب سورية لن يتخلص من نير هذا النظام المجرم العميل إلا بالقضاء عليه عسكرياً ووضع العالم كله تحت الأمر الواقع كما فعل المسلمون بلبنان في مناطقهم – وذلك أثناء الحرب الأهلية في لبنان -، عند ذلك فقط يتمكن شعبنا من استرداد كرامته وحريته السليبة ويؤدي رسالته إلى العالم بعيداً عن أجواء الإرهاب والخطف والتعذيب التي تقتل في الشعب روح التنور والتقدم.

ومما حصل بعد تنفيذ العملية أن عدة جهات أعلنت مسؤوليتها عن العملية منها – منظمة تحرير لبنان من الغرباء – كما كان يحصل عند كل عملية تنفيذ، إلا أن هذه الجهات تراجعت سريعاً تحت الضغط الإعلامي الشيد، بينا أصرت السلطة على نسب العملية إلى جماعة الإخوان المسلمين وطليعتهم المقاتلة، طناً منها أن ذلك سوف يسبب الكثير من الإرباكات.  ولكننا منذ تأسيس التنظيم الجهادي المسلح على يد الشيخ الشهيد القائد مروان حديد وإطلاق الرصاصة الأولى بيد القائد الشهيد عبد الستار الزعيم دأبنا على تحمل مسؤولية كل الأعمال التي نفذناها فوق الساحة السورية دون خوف أو تردد أو خجل، فتنظيمنا الجهادي يمتلك بفضل الله تاريخاً ناصعاً من التضحية والفداء والبطولة، وسجلاً حافلاً بأسماء الآلاف من شهداء الإخوان المسلمين الذين بذلوا دماءهم وضحوا بكل شيء في سبيل الله لتخليص شعبنا المسلم من الطاغية أسد وإزاحة جو الإرهاب المسيطر على نفوس الناس، لذلك نحن نتحمل مسؤولية العملية كاملة ولن يستطيع المجرم أسد مهما أوتي من دعم ومساندة ومهما امتلك من إمكانيات إعلامية أن يطمس الحقيقة الناصعة وأن يشوه تاريخ مجاهدينا المليء بالبطولات، ولن يخفى الدور الإجرامي الذي قامت به أجهزة الشرطة العسكرية حين شاركت في تطويق مدينة حماة ومنعت الناس من مغادرة المدينة وقامت باعتقال الجنود الشرفاء الذين رفضوا أوامر المجرم أسد وزمرته الطائفية المجرمة في قصف النساء والأطفال وتهديم المنازل فوق رؤوس ساكنيها.  هنالك ظهرت بطولات للشرطة العسكرية في محاكمة العسكريين الشرفاء – محاكمات ميدانية تنفذ فيها الأحكام بشكل سريع -.

وكان للشرطة العسكرية دور آخر لا يقل خسة وإجراماً مما ارتكبته بحق شعبنا وجيشنا ومجاهدينا، وذلك حين نصبت حواجزها على الطرق المؤدية إلى لبنان إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان وحصار مدينة بيروت، فمنعت دخول المتطوعين الفلسطينيين الذين أرادوا المشاركة في القتال ضد العدو الصهيوني، لا بل اعتقلتهم وأودعتهم في سجونها، كما منعت أيضاً وصول الإمدادات العسكرية إلى المقاتلين الفلسطينيين هنالك.

لقد كانت عملية الأزبكية قصاصاً عادلاً جزاء ما اقترفه مجرموها من بطش وإرهاب.  وأذكر هنا أننا أوضحنا في منشورنا الأول الذي وزع عام 1979 وعلم بمحتواه كافة أبناء الجيش السوري أن معركتنا هي مع المجرم أسد وأركان نظامه وأعوانه، وطلبنا من الضباط والعناصر في الجيش والشرطة عدم الانصياع لأوامر المجرم أسد، وأعلنا أن عمليات التعذيب الوحشي التي يمارسها جلادو النظام ومجرموه في أقبية التعذيب لن تثني عزمنا بل ستزيد نار ثأرنا اضطراماً، وحذرنا كل المتعاونين مع نظام العمالة والإجرام من مغبة فعلهم لأن عمليات المجاهدين سوف تطالهم أينما حلوا وحيثما ارتحلوا، وقلنا يومها: (إن موعدنا معكم ساحات سورية، ساحات العزة والبطولة والكرامة).

واستمر مجاهدونا بتصديهم للنظام المجرم وأدواته القذرة رغم الإرهاب الذي أشاعته السلطة فوق ربوع سورية، ونحن نعلن أن عملية الأزبكية ليست هي الأخيرة، وستثبت الأيام عزم وصدق مجاهدينا وإن موعدنا معهم ساحات سورية حتى تتحرر من المجرمين ويعود لها وجهها الإسلامي الأصيل.

خيم على دمشق بعد عملية الأزبكية جو شديد من الإرهاب فاق كل ما سبقه من إرهاب، وعم الفزع كل قطاعات الشعب وصارت دمشق ثكنة عسكرية، فانتشرت عناصر السلطة في كل مكان وساد الحذر عند المواطنين العزل الذين خافوا من انتقام السلطة، فصاروا يعودون لمنازلهم فور الانتهاء من أعمالهم لئلا يتعرضوا للاعتقال وما يعنيه ذلك من تعذيب وإذلال وإيذاء، إذ أن السلطة اعتبرت كل إنسان لا ينتسب لحزبها أو يؤيد نظامها فهو من الإخوان المسلمين.

ولم يقتصر الخوف والفزع على المواطنين العزل، بل إن مجرمي السلطة وأزلامها أنفسهم سيطر عليهم الرعب والهلع وانقطعت قلوبهم عند رؤيتهم بأم أعينهم المصير المشؤوم الذي ينتظرهم، فقد رأوا على شاشات التلفزيون جثثاً لقتلى كانوا قبل أيام ذوي نفوذ وسلطة يأمرون وينهون ويعتقلون الناس ويرتكبون الآثام وينتهكون الحرمات، مما أدى إلى أن يطلب الكثيرون من أزلام السلطة منحهم إجازات هروباً من عمليات التفجير، وسيطر عليهم الرعب داخل مكاتبهم حين توقعوا الموت في كل لحظة.

وبالمقابل فقد وجد فريق آخر لم يرهب الموت أو يخاف القتل فريق باع نفسه لله عز وجل ورضي بقضائه ووطن نفسه على الموت في سبيل الله، إنهم مجاهدونا الميامين الذين حملوا أرواحهم على أكفهم وأصابعهم على الزناد دون مبالاة بالموت مستعدين لكل الاحتمالات.

وبعد فترة وجيزة اختار الله عدداً منهم شهداء بعد أن سطروا أروع ملاحم البطولة والفداء التي ستظل فخراً لشعبنا مدى السنين والأيام، وسيعرف شعبنا في المستقبل إن شاء الله الحقائق المذهلة عن مجاهدينا الشهداء رحمهم الله، وإنما يمنعنا من ذكر شيء عنهم ضرورات أمنية معينة.

وهكذا نرى أن إرهاب السلطة انقلب على أزلامها ودفع الشعب بكل فئاته ثمن السياسة الإجرامية الحمقاء التي انتهجها المجرم أسد منذ وصوله إلى الحكم.

(221) كيف كان مخططاً للعملية أن تحدث

إن المخطط الذي كان موضوعاً لتنفيذ العملية يقضي ببقاء الأخ ياسين ساريج بالقرب من السيارة حتى تنفجر وهو يطلق النار على عناصر حراسة المبنى البالغ عددهم أكثر من عشرة عناصر وكانت النتيجة المحتملة في اشتباك كهذا هي إصابة الأخ ياسين، فهو يحمل مسدساً من عيار 9 ملم بينما أسلحة حرس المبنى هي البنادق الروسية، وبعد انفجار السيارة سوف تختفي معالم الأخ ياسين ساريج رحمه الله.  ولكن الأمور سارت باتجاه آخر، إذ ظهر جبن عناصر الشرطة العسكرية الذين ذهلوا لهذا الموقف وأصيبوا بالصدمة لدى رؤيتهم هذا الفتى الذي لا يتجاوز الثامنة عشرة من عمره وهو يقتحم حراستهم بسيارته ثم يترجل منها بجرأة لم يشهدوا مثلها من قبل ويبدأ بإطلاق الرصاص عليهم من مسافة قريبة.

والذي حدث بعد ذلك هو أن الأخ ياسين لاحظ شرود الحراس وذهولهم فاستغل الوضع الجديد وبادر بالانسحاب وظل يطلق عليهم النار أثناء انسحابه من ساحة العملية حتى ابتعد عن أنظارهم.  ولكن إرادة الله سبحانه وتعالى شاءت أن يستشهد الأخ ياسين بعيداً عن ساحة العملية حين أطلق عليه أحد حراس إدارة الوقود الواقعة في الشارع الموازي النار من الخلف، وحين شعر الأخ بإصابته فجر نفسه بقنبلتين يدويتين كانتا معه ولكن وجهه لم يتأثر بانفجارهما وقامت السلطة باستغلال ذلك فعرضت صورة الأخ ياسين على شاشة التلفزيون وعرَّفت عملاءها عليه وسارعت باعتقال أفراد عائلته حتى الطفل الرضيع، واعتقلت أصدقاءه ومعارفه ومارست ضدهم أبشع عمليات التعذيب الانتقامية وأشنعها مع علمها بأن لا علاقة لهم بالتنظيم، ولفقت السلطة مقالاً أذاعته على الملأ أعلنت فيه أن الأخ ياسين قد غادر سورية منذ شهر ونصف إلى الأردن حيث تدرب هناك وعاد بالسيارة الملغومة ليُظهر للعالم أن العمليات إنما تخطط وتنفذ من الخارج، والحقيقة هي أن التاريخ الذي ذكر هو تاريخ مغادرة الأخ ياسين لمنزل أهله حيث شعرت القيادة بأن السلطة على وشك القيام بحملة اعتقالات عشوائية قد تشمل الأخ ياسين الذي استقر به المقام في إحدى قواعد المجاهدين إلى أن استشهد في عملية الأزبكية وعلى هذا فهو لم يغادر سورية أبداً.  وحاولت السلطة أن تستغل صغر سن الأخ وعمله بمختلف المهن الحرة لكسب قوته استغلالاً يشوه سمعة الأخ ويظهره بمظهر المرتزق، ولكن افتراءها هذا لم يكن ليغير صورته عند من عرفوا صلاحه وتقواه والتزامه بشرع الله وعرفوا جهده وعرقه في كسب قوته.

وإن شعبنا ليعرف من هم العملاء والمرتزقة كما يعلم فضل مجاهديه، وقد كان اختيارنا للإخوة الذين نفذوا العمليات الاستشهادية في سن العشرين عاماً تقريباً حرصاً منا في المحافظة على الإخوة الحركيين أصحاب الخبرة في العمل وادخارهم لاستمرار المعركة وكلاً وعد الله الحسنى.

رحم الله شهيدنا الغالي وأسكنه فسيح جناته ……

اعترفت السلطة في بياناتها الرسمية بقتل 100 وجرح 164 عنصراً من مجرميها، والحقيقة أن عدد القتلى قد فاق ثلاثمئة شخص ما بين ضابط وعنصر، ونشرت السلطة أيضاً خلال الأيام التي تلت العملية عدة صور مشوهة لقتلاها مدعية أنهم من الأبرياء الذين لم تعرف أسماءهم طالبة من المواطنين مساعدتها في التعرف عليهم والإدلاء بمعلومات حولهم في محاولة مكشوفة لاستمرار عملية الخداع والتضليل.

لقد ادعت السلطة أن هذه العملية قد أسفرت عن قتل وجرح العشرات من الأبرياء، ولكنها لم تتمكن إلا من إجراء مقابلة واحدة مع أحد المواطنين الذي كان ماراً في الطريق وأصيب بجروح طفيفة غادر على أثرها المستشفى في نفس اليوم، كما أجرت مقابلة تلفزيونية أخرى مع مارينا روز صاحبة صالون مارينا الواقع في البناية المجاورة لفرع الشرطة وحاولت استغلال ذلك ضد مجاهدينا، وهذه المقابلة هي أبلغ دليل على أنه لم يسقط أي إنسان بريء في هذه العملية، ولو كان الأمر كما ذكرت السلطة لما توانت عن نشر صورهم وأسمائهم وأماكن عملهم، ولكن شيئاً من هذا الأمر لم يحدث لأن كل من قتلوا هم من العسكريين التابعين للنظام.

وقد نقلت ثلاث طائرات أعداداً كبيرة من جثث النصيريين إلى مطار اللاذقية، كما نقلت طائرتان أعداداً أخرى إلى دير الزور، ولوحظ أن عدد الذين دفنوا في دمشق قليل جداً.

كانت العملية نكسة كبيرة للمجرم أسد ولعميله القزم رسمي العيد، فقد نشرت الرعب والهلع في نفوس أزلامهم المرتزقين.  وقررت السلطة القيام بمسيرة احتجاجية على هذه العملية الجبارة لرد الروح المعنوية المنهارة عند زبانية النظام.  وكما هو معتاد، قامت أجهزة المخابرات بحشر الناس قسراً للاشتراك في المسيرة المزمعة وسط حزام أمني لا يستطيع أحد الإفلات منه، وسيق طلاب المدارس والجامعة وعمال المصانع والموظفون العاملون في مؤسسات الدولة إلى هذه المسيرة بالإكراه، وأثناء المسيرة قطعت شوارع دمشق وقامت الإذاعة والتلفزيون بنقل وقائع المسيرة على الهواء مباشرة، وقد ألقيت كلمات مختلفة كان من أبرزها كلمة المجرم عبد القادر قدورة الذي يشغل منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وهو لص معروف بفسقه وفجوره وفساده، فقد أرغى وأزبد وخار كما يخور البقر، ومما جاء على لسانه: (أن الإخوان المسلمين يقتلون نساء دمشق حرائر العرب).  فهو غاضب لنساء دمشق يدافع عنهن ويثور من أجلهن، وما أغرب ذلك!!  إذ أن هذا المجرم الزنديق الفاسد لم ينبس ببنت شفة يوم قام المجرم الزنيم رفعت أسد آمراً سراياه بخلع الحجاب عن رؤوس النساء في دمشق، فأين كان المجرم قدورة الذي نصب نفسه مدافعاً عن حرائر العرب في ذلك الوقت؟؟  أين هو وأضرابه من خنازير النظام؟؟ لقد كانوا يقضون الليالي الحمراء ويرشفون كؤوس الخمر على أنغام الموسيقى احتفالاً بهتك الأعراض والتعدي على الحرمات، وقد قيل: إذا لم تستح فاصنع ما شئت.  ولنا حساب مع هؤلاء العملاء الذين لن يفلتوا من انتقام شعبنا بإذن الله.

(222) مرحلة ما بعد الأزبكية

في هذه المرحلة حدثت تطورات هامة وخطيرة كان لها نتائج مهمة أثرت على سير العمل الجهادي في سورية، وهذه التطورات حدثت على صعيدين:

1-            الصعيد الداخلي: في دمشق استشهد عدد من إخواننا أثناء مداهمة ثلاث قواعد لنا واعتقل آخر، وفي حماة تأزمت الأمور كثيراً وبدأت السلطة بعملية استفزاز لم يسبق لها مثيل استمرت حتى حدوث المعركة وانتهت بمجزرة حماة الكبرى حيث كان الاتصال بيننا وبين الإخوة في حماة قد انقطع.

2-            على الصعيد الخارجي: اعتقل الأخ نبيل حبش في قبرص ونقل إلى دمشق، فاعترف على الأخ خالد الشامي كما اعترف على تنظيم الضباط داخل الجيش، وتم اعتقال خالد الشامي الذي اعترف على مراسل حماة معنا الذي اعتقل بدوره فأدى ذلك إلى اعتقال مراسلنا الأخ خالد اللحام، فنتج عن ذلك مداهمة قاعدة لنا.  إن هذه التطورات الخطيرة أثرت على سير العمل الجهادي في سورية بشكل سلبي، فقد انكشف تنظيم الضباط العسكريين داخل الجيش واستشهد عشرات الآلاف من المسلمين في حماة وتوقف التنظيم في دمشق عن التنفيذ.  إن هذه الأحداث المريرة التي عصفت بالساحة الإسلامية داخل سورية كانت بسبب الأخطاء التي ارتكبها الإخوة خارج سورية، فقلة خبرتهم في شؤون التحرك وعدم اهتمامهم بالنواحي الأمنية بشكل دقيق أسهما في حصول النكبة.  ونحن إنما نفصل ذلك حتى يكون للمسلمين درس وعبرة فيما حصل وحتى لا تتكرر الأخطاء مرة أخرى، وليعلم المسلمون أن كل قواهم لن تفيد شيئاً إن لم تتداركهم عناية الله سبحانه وتعالى.  وفي الواقع كانت هذه الجولة خاسرة لنا، وبلغ فيها النظام أوج قوته وانتصاراته، ولكن الله لهم بالمرصاد فلن يدوم لهم نصر ولن يهنأ لهم عيش وسينتفض العملاق المسلم مبعداً عنه الأنقاض ليعلي راية الجهاد التي ما خبا نورها أبداً وستصبح مجزرة حماة كابوساً مرعباً وأشباحاً تلاحق منفذيها.  ولن تضيع الدماء الزكية هدراً وستثبت الأيام أن الباطل مهما انتفش وطغى فلن يستطيع أن يكبت ثورة رواها 100 ألف شهيد بدمائهم، ولنا جولات مع النظام بإذن الله حتى نقضي على رؤوسه ورموزه المجرمة العميلة ونعيد للشعب حريته وكرامته وعزته السليبة.

ونبدأ هنا بتفصيل الأوضاع التي مررنا بها:

على الصعيد الداخلي في دمشق: كما ذكرنا سابقاً فقد جن جنون المجرم أسد وزمرته المنحرفة عد عملية الأزبكية، واستنفرت كافة أجهزتها الأمنية وقامت بحركة اعتقالات واسعة ونصبت الحواجز الثابتة والطيارة وحركت كافة مخبريها، وشاءت إرادة الله أن يفارقنا عدد من خيرة إخواننا ويمضوا إلى ربهم شهداء بعد ان لقنوا ضباط المخابرات دروساً لن ينسوها على مر الأيام.  وقد فقدت السلطة ثقتها بصف ضباطها وعناصرها وبقدرتهم على مواجهة إخواننا، مما جعل رؤوس النظام يضغطون على ضباط المخابرات حتى يمارسوا العمل بأنفسهم في المداهمات والاشتباكات، وكان لذلك تأثير في قتل أعداد كبيرة من ضباط المخابرات في دمشق.

(223) استشهاد الأخ عدنان خوجة زاده – أبو حمزة –

في 2/2/1981، نصب المجرمون التابعون لفرع الأمن الداخلي كميناً للأخ عدنان أمام منزله في منطقة المجتهد بإمرة الرائد المجرم غسان العاقل، وحين خرج الأخ إلى عمله الساعة السابعة صباحاً أطبق عليه المجرمون لاعتقاله ولكنه تمكن من الإفلات والانسحاب جرياً على الأقدام مما دعاهم إلى إطلاق النار عليه، وعندما شعر الأخ عدنان بأنه قد أصيب انتزع مسماري الأمان لقنبلتين يدويتين كان يحملهما، فانفجرتا وقضى شهيداً بإذن الله.

لقد كانت الأوامر إلى الإخوة بتفجير أنفسهم عند تعرضهم للاعتقال شديدة وذلك خوفاً من وقوعهم بالأسر، وبما أن مكان عمل الأخ عدنان في وزارة الداخلية وما يعنيه ذلك من سهولة نصب الكمين هنالك إن أرادت السلطة اعتقاله، كان حرص القيادة شديداً على عدم حمله للمسدس حتى لا يتردد بتفجير نفسه وينشغل بالمسدس الذي لا يغني عنه شيئاً في حالة الكمين المدروس الذي يشترك فيه عدد كبير من العناصر، ولكي لا يتكرر ما حدث للأخ الشهيد ظافر بدوي الذي اعتقل غدراً في شركة الطيران أثناء عمله عام 1976، وكان لهياج المخابرات تأثير واضح في مداهمة الأخ عدنان بالمنزل عوضاً عن الوزارة.

(224) الأخ الشهيد أبو حمزة

ولد الأخ الشهيد في دمشق عام 1958 في أسرة كريمة متدينة، وترعرع فيها على حب الإسلام وعلمائه المسلمين، فكان ملتزماً بواجباته الدينية منذ نعومة أظفاره.  وحين شب انفتح على الحياة وتوجه لطلب العلم، فانتسب إلى جامع زيد بن ثابت الأنصاري حيث تمكن من تحصيل العلم فيه وكرس معظم أوقاته للدعوة إلى الله عز وجل.  واستمر في ذلك إلى أن تصاعدت عمليات المجاهدين في سورية وفتحت أبواب الانتساب للراغبين بالجهاد في سبيل الله.

فكان الأخ عدنان خوجة زاده من أوائل الملبين الذين باعوا أرواحهم لله عز وجل، وبما أنه لم يكن ملاحقاً فقد تمكن من تقديم معلومات جيدة عن المجرمين وتحركاتهم إلى جماعته المجاهدة، كما أنه قام بالكثير من المهمات الجهادية التي تنفذ بالسر ولا يعلم بها إلا الله.  أمضى الأخ الشهيد أبو حمزة فترة خدمته العسكرية في الشرطة، فكان في البداية ضمن جهاز شرطة النجدة حيث استطاع أن يموه نفسه جيداً دون أن يتمكن زبانية السلطة من كشفه، ومن صم انتقل إلى وزارة الداخلية.  ونظراً لذكائه وسرعة بديهته وخبرته العملية في شؤون الحياة قام وزير الداخلية بضمه إلى مرافقيه حيث أمضى فترة لا بأس بها من الزمن ومن ثم انتقل إلى مكتب الوزير في وزارة الداخلية واستشهد وهو في هذا المكان.

كان الأخ الشهيد واسع الثقافة، متعلماً، لطيف المعشر، حلول الحديث، بهي الطلعة، وجميل المنظر، له خبرة عملية في شتى المجالات الحياتية، كما امتاز بالشجاعة الكبيرة واطمئنان قلبه وثقته بنصر الله عز وجل.  وقد كان ينفذ المهمات الملقاة على عاتقه وملؤه الرضا والسرور، وإن صلابته وشجاعته قد تجلتا بعد عملية الأزبكية بشكل واضح، فقد وصل هيجان أجهزة السلطة ذروة لم يبلغها من قبل، وعندما كنا نتباحث في شؤونه الأمنية واحتمالات مداهمته ووقوعه في الأسر كان جوابه بلهجة الواثق بالله المطمئن إلى عنايته: (بإذن الله لن يصلوا إلي وأنا على قيد الحياة).  وكان صادقاً في قوله وفياً له، فها هو يفجر نفسه دون أي تردد حفاظاً على سلامة جماعته وإخوانه المجاهدين.  لقد ضحى بروحه ليستمر إخوانه بالمسيرة الطيبة المباركة، فإلى جنان الخلد يا أبا حمزة.

هنيئاً لك يوم عرسك.  هنيئاً لك ثوابك عند الله، فقد خلفت في قلوب المجرمين حسرة وأسى وحيرة وضياعاً وتشتتاً في المعلومات.  إنا لله وإنا إليه راجعون.

قامت السلطة بعد استشهاد الأخ أبي حمزة باعتقال أصدقائه وأقربائه الأبرياء في المسجد والوزارة، وصبت عليهم جام حقدها وزندقتها تشفياً وانتقاماً.

(225) استشهاد الأخ عدنان قهوجي 18/12/1981

كان استنفار أجهزة المخابرات شديداً طوال شهرين بعد عملية الأزبكية، لهذا قمنا بتقليص حركتنا وحصرها بأضيق نطاق ممكن، ومع ذلك فقد دفعنا المزيد من الشهداء.  فأثناء مرور الأخ عدنان قهوجي وهو يقود سيارة على طريق دمشق – التل، أوقفه حاجز للمخابرات، ولكن الأخ بدلاً من الوقوف ضاعف سرعته واقتحم الحاجز مما دفع المجرمين إلى إطلاق النار عليه فلاقى ربه شهيداً.

رحم الله أخانا الشهيد وأسكنه فسيح جنانه.

One thought on “مذكرات القائد الشهيد أيمن شربجي رحمه الله (23): المؤامرة الكونية على السوريين وأثار عملية الأزبكية (ما أشبه الليلة بالبارحة)

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s