(35) في ظلال آية

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ . وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ).

[آل عمران: 156- 158]

حين ننظر في هذه المجموعة من الآيات نظرة فاحصة نجدها تصور المعركة كلها بلمسات سريعة حية متحركة عميقة فلا تدع منها جانباً إلا سجلته تسجيلاً يستجيش المشاعر والخواطر; وهي بدون شك أشد حيوية وأشد استحضاراً للمعركة بجوها وملابساتها ووقائعها وبكل الخلجات النفسية والحركات الشعورية المصاحبة لها.

في تربية للجماعة المسلمة، وفي ظلال غزوة أحد وما نال المسلمين فيها، يحذر الله المسلمين أن يكونوا كالذين كفروا. أولئك الذين تصيبهم الحسرات كلما مات لهم قريب وهو يضرب في الأرض ابتغاء الرزق، أو قُتل في ثنايا المعركة.

فإحساسهم بأنّ هذا الخروج هو علة الموتِ أو القتلِ يذهب بأنفسهم للتحسر ، ولو كانوا يُدركون العلة الحقيقية للموت -وهي استيفاء الأجل وقدر الله، وأنّ ساعة الموت واحدة مكتوبة ومقدّرة، وأنّ الأجل مرسومٌ سواءً كان الناس في بيوتهم وبين أهلهم أو في ميادين الكفاح للرزق أو للعقيدة-  لما تحسروا، بل لتلقوا الابتلاء صابرين ولرجعوا إلى الله وهم راضون.

هذا الإيمان الذي يطمئن القلوب، فتستقيم عليه الخطا، ويستريح إليه الضمير، أمّا الذي يفرغ قلبه من العقيدة في الله فهو أبداً في قلق .. يبقى بين (لو) و (لولا) و(ياليت) و(يا أسفاه).

(وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ . وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ) فالموت أو القتل في سبيل الله خيرٌ من الحياة وخيرٌ مما يجمعه الناس في الحياة من مال ومن جاه ومن سلطان ومن متاع . خير بما يعقبه من مغفرة الله ورحمته وهي في ميزان الحقيقة خير مما يجمعون.

وكل الناس مرجوعون إلى الله محشورون إليه على كل حال . ماتوا على فراشهم أو ماتوا وهم يضربون في الأرض . أو قتلوا وهم يجاهدون في الميدان.. التفاوت إذن إنما يكون في العمل والنية وفي الاتجاه والاهتمام . . أما النهاية فواحدة : موت أو قتل في الموعد المحتوم والأجل المقسوم . ورجعة إلى الله وحشر في يوم الجمع والحشر . . ومغفرة من الله ورحمة أو غضب من الله وعذاب . . فأحمق الحمقى من يختار لنفسه المصير البائس . وهو ميت على كل حال!

بذلك تستقر في القلوب حقيقة الموت والحياة وحقيقة قدر الله . وبذلك تطمئن القلوب إلى ما كان من ابتلاء جرى به القدر ; وإلى ما وراء القدر من حكمة وما وراء الابتلاء من جزاء . .

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s