مذكرات القائد الشهيد أيمن شربجي رحمه الله (24): استمرار آثار عملية الأزبكية، واستمرار قوافل الشهداء والمعتقلين

(226) الأخ عدنان قهوجي – أبو محمد –

 ولد الشهيد البطل في منطقة التل القريبة من دمشق عام 1953 في بيئة إسلامية متمسكة بالدين محافظة على آدابه، وتربى في أسرة كان لها دور كبير في تحديد معالم شخصيته.  انتسب الأخ أبو محمد إلى جماعة الإخوان المسلمين وهو ما يزال في سن مبكرة، وتنقل بين أقسامها المختلفة واحتك بكثير من رجالات الإخوان المسلمين وقياداتهم مما أكسبه وضوحاً في الرؤية واطلاعاً واسعاً وخبرة بشؤون الجماعات الإسلامية.  وقد تخرج من كلية الهندسة المعمارية في جامعة حلب، مما أتاح له التعرف على كثير من شباب الإخوان المسلمين في حلب ومن بينهم صديقه الشهيد البطل تميم الشققي أمير الطليعة المقاتلة في حماة.  وقد عاصر شهيدنا الكثير من الأحداث والعمليات التي كانت تحصل في حلب مع بدايات العمل الجهادي المسلح، ورأى الكثير من المآسي والآلام التي تسببت بهما السلطة لأبناء الشعب في مدينة حلب.  وعندما أنهى دراسته عاد إلى دمشق ليشهد الصراع الدامي الذي كان يدور بين المجاهدين والسلطة المجرمة من خلال حرب العصابات العنيفة.  وعلى الفور بدأ بالبحث عن المجاهدين في دمشق ليضع كافة إمكاناته تحت تصرفهم، وكان له ذلك عن طريق الأخ المجاهد مأمون قباني، واستمرا سوية إلى أن قضى نحبه شهيدا في سبيل الله.  وفي ‏بداية عام 1981 ‏قامت السلطة المجرمة بمداهمة منزل الأخ في دمشق – ميدان – نهر عيشة -، واعتقلت شقيقه الأصغر عمران قهوجي.  وبعد فترة وجيزة لوحق شقيقه عاطف أيضاً، ثم اعتقلت السلطة والده وشردت أسرته ولكن شهيدنا البطل ظل صامداً كالطود واستمر في عطائه ومشاركته في المرحلة الجهادية التي اعقبت هذه الفترة.

‏كان شعلة دائبة من النشاط والحركة، واستمر مع الأخ مأمون قباني في رعاية شؤون الملاحقين الذين كانوا تحت إمرتهما.  وكم تعرض الأخ أبو محمد للموت المحقق أثناء تحركه في تلك المرحلة العصيبة التي استهلكت كثيراً من الجهود والإمكانيات، ولكن تصميم الأخ على الشهادة كان بلا حدود وتحقق له ما أراد وفاز برضوان الله إن شاء الله.

‏وترك خلفه زوجة مجاهدة وطفلين صغيرين، عمر الأكبر منهما أربع سنوات.  لقد كان مصابنا بالأخ المجاهد مصابا أليماً وكانت الفاجعة بفقده كبيرة لأننا فقدنا أخاً من خيرة إخواننا.

‏كان أبو محمد طيب النفس، حلو الحديث، واسع الثقافة، ثابت القلب، شجاعاً، حسن الصورة طويل القامة، امتاز برجاحة عقله وشدة ذكائه وسرعة بديهته.  كما أكسبه حياؤه وأدبه مهابة واحتراماً عند من عرفوه صغاراً أو كباراً.

‏كان يتمتع ببنية قوية من جراء عمله في المهن الشاقة أثناء العطل الصيفية حتى يحين موعد متابعة الدراسة … رحم الله شهيدنا البطل أبا محمد وأسكنه فسيح جنانه ….. وعهداً نقطعه على أنفسنا أمام الله بأن نتابع الطريق الذي رواه إخواننا بدمائهم الزكية، وويل لمجرمي السلطة من عواصف الانتقام التي ستهب عاتية بإذن الله.

لن يهدرن دم الإخوان لا أبداً                  حتى نجري أضعافاً بما انسكبا

(227) اشتباك الأخ أبو عامر

بعد أربعة أيام من استشهاد الأخ أبي محمد، وأثناء مرور الأخ عاطف قهوجي على طريق عربين – زملكا وهو يستقل سيارة هوندا أجرة اصطدم بحاجز نصبته عناصر المخابرات التابعة للمجرم ناصيف رئيس فرع الأمن الداخلي.  وعندما توقفت سيارة الأخ أمام الحاجز تقدم الرائد نصر الجرف وطلب من الأخ أبي عامر إبراز هويته التي قدمها له بهدوء ورباطة جأش، وعندما قرأ المجرم اسم عاطف قهوجي وعرف أنه شقيق الأخ أبي محمد، تغير لونه وحاول الابتعاد عن السيارة مشيراً إلى العناصر باعتقال الأخ الذي كان أسرع من الجميع، وعلى الفور ترجل من السيارة وهو يطلق النار من مسدسه الرشاش، فأصيب الرائد المجرم بعدة طلقات أردته قتيلاً، كما أصيب اثنان من العناصر وبدأ عناصر الحاجز البالغ عددهم خمسة عشر عنصراً بإطلاق النار ‏على الأخ الذي تبادل معهم إطلاق النيران من مسافة قريبة وهو ينسحب إلى البساتين المجاورة دون أن يتمكنوا من إصابته.  وقد دفعهم جبنهم وانفعالهم إلى إطلاق النار على سائق السيارة الهوندا المسن فأردوه قتيلاً، وبعد برهة من الزمن حضرت قوات أخرى لتعزيز الحاجز وبدأت حملة بحث واسعة عن الأخ أبي عامر شملت البساتين المحيطة بالمنطقة، ولكن الأخ تمكن من الانسحاب بسلام والحمد لله.

‏أثار الاشتباك الخوف والذعر في صفوف المخابرات، وخاصة المجرم ناصيف الذي كان مهزوز الأعصاب مملوءً بالخوف والرعب، فهذا الرائد الثاني من ضباطه الذي يقتل بعد الرائد المجرم هيثم الشمعة.  وقد نقلت جثة المجرم النصيري في اليوم التالي إلى صافيتا، وكان المجرم ناصيف على رأس المشيعين وكان من بينهم عدد كبير من ضباط المخابرات والمسؤولين في المنطقة.

(228) قدر الله يترصد بالمجرمين

في هذه المرحلة وقعت حادثة قدرها الله سبحانه وتعالى للانتقام من أفراد المخابرات الذين كانوا يداهمون كل إنسان عرف بتدينه وتمسكه بشرع الله سبحانه وتعالى.  ودأب ضباط المخابرات على احتلال منازل المسلمين المراد اعتقالهم ووضعوا عدداً لا بأس به من عناصرهم داخل هذه المنازل مع أهلها لاعتقال الملاحقين في حال ترددهم على منازل أهليهم، واعتقال كل زائر يدخل البيت بحجة تعاونه مع الإخوان المسلمين الفارين بدينهم من بطش السلطة، ومن ثم ينقل إلى أحد فروع المخابرات ليعاني ما قدر الله له من أنواع التعذيب المختلفة التي تتبعها السلطة.

‏وأثناء احتلال عدد من زبانية النظام التابعين للمخابرات العسكرية منزل أحد الإخوة بالقرب من مسجد زيد بن ثابت، قامت مجموعة أخرى من زبانية النظام تابعة لفرع الأمن الداخلي بمداهمة المنزل لاعتقال الأخ، فحدث اشتباك خاطئ بين عناصر المخابرات بفعل الرعب والهلع من جهة ومن جهة ثانية بسبب عدم التنسيق بينهم، فقد ظن كل فريق منهم الآخر من الإخوة المجاهدين وتم تبادل إطلاق النار الغزير، مما أدى إلى مقتل ثلاثة من المجرمين يعتقد أن الرائد المجرم مطيع المعلم هو أحدهم.  وهذا الضابط المجرم هو أحد أحقر أدوات التنفيذ التابعين لفرع المجرم ناصيف، فقد أشرف على اعتقال أعداد كبيرة من المسلمين، كما شارك في عدد من الكمائن والاشتباكات التي استشهد فيها عدد من الإخوة، وقد أشرف بنفسه على محاولة اعتقال الأخ عدنان نابلسي، الذي تمكن من تفجير نفسه ولاقى ربه شهيداً.

‏وهذا المجرم يعتبر من السنيين، وهو دمشقي مرتزق باع نفسه للطغاة المجرمين.

‏إن الرائد المجرم مطيع المعلم قد قتل يقيناً وشيعت جيفته في منطقة المزة، ولكننا لسنا متأكدين من أن قتله كان في هذه الحادثة أم في غيرها من الحوادث التي جرت في هذه المرحلة.  وبهذا فقد خسر فرع المجرم ناصيف ثلاثة ضباط برتبة رائد من ضباطه الذين يعتمد عليهم.

(229) مداهمة مزرعة في الشيفونية – دوما –

في 25/12/1981، ‏بتقدير الله سبحانه وتعالى وبسبب الأخطاء التي ارتكبناها في هذه المرحلة، اكتشفت السلطة قاعدة لنا وهي عبارة عن مزرعة في منطقة الشيفونية – بالغوطة الشرقية – القريبة من دوما.  وفي منتصف ليل 25/12/1981 ‏قامت أعداد كبيرة من عناصر السلطة التابعين لمعظم فروع المخابرات بتطويق المزرعة، وحاولوا الدخول إليها لاعتقال الإخوة وهم أحياء، ولكن إخواننا كانوا يقظين والحارس على أهبة الاستعداد، وسرعان ما انطلقت زخات غزيرة من رصاص الإخوة الذي فاجأ المجرمين، وتابع الإخوة إطلاق النار مع إلقاء بعض القنابل اليدوية، فتمكنوا من قتل وجرح عدد من المجرمين ولاذ رفاقهم بالفرار.  وحدث بعد ذلك تبادل لإطلاق النار بين الطرفين استمر مدة ثلاث ساعات، كان دوي الا نفجارات وأزيز الرصاص خلالها يسمع بوضوح في منطقة دوما.  وقد وقعت خسائر جسيمة في صففوف المجرمين الذين كانوا يتمركزون في أماكن مكشوفة، بينما الإخوة كانوا متحصنين بالبناء الموجود داخل المزرعة.  وعندما طالت المعركة على المجرمين استعانوا بعدد من الدبابات لاقتحام المزرعة، وتم لهم ذلك بعد استشهاد الإخوة رحمهم الله.

‏وكم كانت المفاجأة كبيرة حين وجد المجرمون أن عدد الإخوة كان ثلاثة أفراد فقط.  لقد خلفت هذه المعركة حوالي خمسين قتيلاً من عناصر السلطة فيهم عدد من الضباط وتركت أعداداً كبيرة من الجرحى، وكان بين القتلى ضابط برتبة رائد من فرع المجرم ناصيف وهو المجرم النصيري مظهر حداد، وهو من المقربين إلى المجرم أسد ونائب المجرم ناصيف، وأحد أركان الفرع الداخلي للمخابرات ويرأس مفرزة التجارة للمخابرات.

‏إن الأعداد الكبيرة من القتلى والجرحى طبيعية جداً في معظم المداهمات التي تعرضنا لها، وذلك بسبب حرص المجرم أسد وكبار ضباطه على اعتقال أي أخ على قيد الحياة مهما صغر حجمه التنظيمي للاستفادة من المعلومات التي يمتلكها عن التنظيم السري للمجاهدين، لأنهم أيقنوا أن مداهمة قاعدة أو عدد من القواعد لن يحسم الأمر لصالحهم وستستمر عمليات المجاهدين الذين سيتمكنون من تعويض خسائرهم، مما يساعد على متابعة حرب العصابات الطويلة الأمد التي أقضت مضاجع المجرمين ونغصت حياتهم وعكرت صفو عيشهم، وجعلتهم متوتري الأعصاب مؤرقي الأجفان يخافون على يومهم وغدهم من رصاص المجاهدين ومتفجراتهم، التي تنتظرهم في بيوتهم وفي أماكن عملهم وفي الشوارع التي يعبرونها.  لذلك كانت الأوامر الملقاة على عناصرهم صريحة وشديدة لاعتقال الإخوة أحياء، وبالطبع فإن هذا الأمر يزيد في خسائرهم ولا تدري العناصر الحمقى المغفلة أن المجرم أسد وكبار ضباطه يجعلونهم طعماً رخيصاً لتحقيق مآربهم الخاصة، ولكن وإن عرفوا فهل يستطيعون التخلص أو التملص أو رفض الأوامر؟؟ بالطبع لا!! لقد أصبحوا ضحية من ضحايا إرهابهم الذى مارسوه، لذلك فهم يفضلون الموت على عصيان الأوامر وما يعني ذلك من اتهامهم بالخيانة وما يؤدي إليه من تعذيب شديد، فهم أدرى الناس بما في السجون من وسائل رهيبة للتعذيب.

‏إذا فهؤلاء هم شرار الناس لأنهم باعوا دينهم بدنيا غيرهم، ولا بد للإرهاب أن ينال أهله في نهاية المطاف.

‏وهكذا تمضي الحياة وتسفر عن قتل أناس من الطرفين، فيستشهد عدد من إخواننا يقتل لهم أضعاف مضاعفة، ولكن لا سواء: فقتلانا في الجنة وقتلاهم في النار.

(230) شهداؤنا في هذه المعركة

‏1- الشهيد البطل الداعية مأمون قباني – أبو أنس -: ولد الشهيد مأمون عام 1956 في حي الميدان بدمشق لأسرة متدينة، نما وترعرع في أكنافها على الإسلام ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.  وما أن بلغ السادسة عشرة من عمره حتى أقبل على دروس العلماء في مساجد دمشق يطلب العلم ليعمل به.  واستمر في ذلك مع نشاط خاص بذله في القراءة والمطالعة، وقد التقينا سوية في المسجد ضمن حلقة واحدة لمدة ثلاث سنوات، شاءت إرادة الله بعدها أن نفترق في عام 1975.  وقد تنقل الأخ مأمون بين عدد من المساجد في دمشق، حيث استقر به المقام أخيراً في مسجد الغواص مع عدد من خيرة شباب الحي وتمكن خلال وجوده في جامع الغواص من استقطاب عدد كبير من الشباب الذين تمكن من دعوتهم بما آتاه الله من ملكات وقدرات.  وقد أشرف بنفسه على تربية حلقة منهم مكونة من عشرين شاباً، فكان نعم المربي وكانوا نعم الطلاب علماً ووعياً وتضحية وفداء.  ولا بد من ذكر مرحلة هامة في حياة الأخ الشهيد وهي مرحلة انتسابه إلى جماعة الإخوان المسلمين ما بين عامي 1973-1975، ‏فكان من الإخوة النشيطين وقد كانت علاقته مع الأخ غالب آلوسي، واستمرت هذه العلاقة الوطيدة إلى أن اعتقل الأخ غالب عام 1978 فانقطعت صلة الأخ مأمون بالإخوان المسلمين.  فتابع عمله ضمن جامع الغواص، ونظراً لمعرفتي القديمة بالأخ مأمون وثقتي الكبيرة به فقد اتصلت به بعد أن قررت قيادتنا توسيع التنظيم، وكان ذلك في عام 1978 بعد مقتل المجرم المقدم أحمد خليل السلمان في حي الميسات، ودار حديث شامل بيني وبينه أطلعني خلاله عن وضعه وعمله ‏في مجال الدعوة وعن انقطاع اتصاله بالإخوان المسلمين بعد اعتقال الأخ غالب آلوسي.  وقدم لي مساعدة مالية جيدة وتعهد بأن يستمر بتقديم كل ما يمكنه لدعم العمل الجهادي حتى التضحية بنفسه إن تطلب الأمر ذلك.  واستمرت اللقاءات وانضم إليها الأخوان مصباح القاسم ونبيل حبش، واستمرت هذه العلاقة المنتظمة حتى عام 1980وهي تسير ضمن خطوط السرية الكاملة.  وقد كنا متفقين على عدم دعوة أي فرد من طلاب مسجد الغواص إلى التنظيم الجهادي حتى لا نعرض بقية الطلاب لانتقام السلطة في حالة انكشاف الأمر.  وبقينا على هذا الاتفاق حتى تاريخ إنزال مجموعات الإخوان المسلمين من الخارج وتشكيل التنظيم المسلح الجديد عام 1980.  وقد تمكنوا من دعوة بعض طلاب ‏المسجد الذين انكشف أمرهم للسلطة سريعاً بسبب الأخطاء القاتلة التي ارتكبها الإخوة في التنظيم الجديد سامحهم الله، مما أدى إلى اعتقال الأخوين محمود السخني وفايز دبورة، وهما من طلاب الأخ مأمون.  وبعد فترة من الزمن قررت السلطة اعتقال الأخ مأمون وطلابه، وعرفنا بالأمر فتم إبلاغ كافة الطلاب بذلك فسافر بعضهم والتحق بعضهم بمجاهدينا، وشاءت إرادة الله أن يعتقل بعضهم فيما بعد.  كانت ملاحقة الأخ مأمون في الشهر العاشر من عام 1980، وبذلك بدأت مرحلة جديدة من حياة البطل الشهيد الذي تفرغ للعمل الجهادي تفرغاً كاملاً.  وكم اعتصر الحزن قلبه على فقدان طلابه المعتقلين، وقد زاد من حنق السلطة وغيظها انكشاف أمر شقيقه الأخ عبد الناصر قباني، ومعرفة قِدَمه في التنظيم وتأكدها من أنه قام بتنفيذ عدد من العمليات الجريئة مع تفرغه الكامل للعمل الجهادي.  فصبت جام حقدها الأسود على عائلة الأخ مأمون واعتقلت شقيقه وصهره وأخاه الأكبر، ولم تنج والدته ووالده الطاعن في السن من تهديد المجرمين وشتائمهم، واحتلت منزل أهله ومكث عناصرها فيه فترة طويلة من الزمن انتقاماً وتشفياً وحقداً، فهم يعلمون علم اليقين أن الإخوة الملاحقين من مجاهدينا لا يقتربون من منازل أهليهم أبداً.  واحتسب الأخوان مأمون وعبد الناصر هذا الأذى الذي لحق بأهلهم في سبيل الله، ومضيا على طريق الحق لا يهدأ لهما بال ولا يهنا لهما عيش حتى ينالا الشهادة ويفوزا بالجنة بإذن الله عز وجل.  لقد كانت تلك الفترة من الزمن أي نهاية عام 1980وبداية عام 1981 فترة شديدة عانى فيها مجاهدونا من الصعوبات ما لا يعلمه إلا الله، وقاسوا الأمرين من نقص الإمكانيات وازدياد الضغط الأمني مع كثرة عدد المطلوبين.  وقد كان الشهيدان مأمون وعبد الناصر مثالاً للمسلم المجاهد الصابر، وقد واجه الأخ مأمون المحن المتوالية برباطة جأش وقوة يقين عندما تعرض لسلسلة من الصدمات النفسية العنيفة، التي بدأت باعتقال عدد من طلابه مع الأخ مصباح القاسم، فكان صابراً محتسباً في سبيل الله.  وقدر الله له أن يصاب بجرح بليغ في ظهره وآخر في يده يوم وقع اشتباك بينه وبين زبانية السلطة في منطقة مساكن الزاهرة بتاريخ 13/1/1981، وقد تمكن من الانسحاب بصعوبة بالغة رغم الدماء النازفة منه، ثم مكث بعدها في القاعدة مده ثلاثة أشهر أو أكثر حتى تماثل للشفاء.  ولم يكد يستعد قواه حى استشهد شقيقه الأخ عبد الناصر أثناء تنفيذ عملية زيد الشريطي، واستمر البطل الشهيد الأخ ‏مأمون قباني في تنفيذ كافة المهمات الملقاة على عاتقه وإنقاذ من يتمكن من الوصول إليه من الشباب المسلم المعرض للاعتقال.  وقد لاقى ربه شهيداً بعد أن خاض مرحلة التفجيرات الضخمة منذ عملية تفجير مجلس الوزراء وحتى عملية فرع الأزبكية التابع للشرطة العسكرية، وسط الأجواء الأمنية البالغة الصعوبة وهو باسم الثغر مطمئن القلب واثق بالله عز وجل.  وقد بلغ حقد المجرمين عليه درجة جعلتهم يقومون بتسيير إحدى الدبابات فوق جسده الطاهر بعد استشهاده رحمه الله.  كان الأخ مأمون طويل القامة، شديد البنية، خفيف الجسم، سريع الحركة، رقيق القلب، صافي النفس، مهي
الطلعة، حلو الحديث، وافر العلم، تميز بجرأة قلبه وكثرة عبادته، باع نفسه وكل ما يملك لله عز وجل …. رحمك الله يا أبا أنس يا خير الرجال…… رحمك الله أيها الأخ والصاحب والحبيب…… يا من كنت الأنس والمودة والرجولة وصدق العزيمة…… ورحم الله أياما جميلة عزيزة على قلبي وقلوب إخوانك المجاهدين الذين عرفوك وأحبوك……. ولسوف تبقى ذكراك في نفسي تبعث الأمل والإشراق في روحي……. فإلى رحاب الله يا أبا أنس، أانت وإخوانك الأبرار …. وإنا لله وإنا إليه واجعون ………..

2-         الأخ الشهيد أيمن سليمان: وجه صبوح، جسم رياضي رشيق، زاده بهاءً لطف المعشر وصدق المودة وصراحة المعاملة.  ولد الشهيد أيمن سليمان في دمشق – ميدان عام 1962 ونشأ بأسرة متدينة، وتلقى العلوم الكونية بجد واجتهاد، ثم دخل كلية طب الأسنان.  انتسب إلى أحد الأعمال المسجدية لينهل من العلوم الشرعية وليتعلم السلوك الإسلامي الرفيع، ليتخرج داعية إلى الله.  عرف بورعه وطول أناته والتزامه الدقيق بواجباته، فكان في مقدمة أقرانه حركياً ونشاطاً.  انضم للتنظيم الجهادي ولوحق عام 1980، ويسر الله على يديه بعض الأعمال الجهادية الناجحة، ثم استشهد ‏بمداهمة قاعدة الشيفونية، حيث أبلى وإخوانه بلاء حسناً رحمهم الله تعالى.

3-           الأخ الشهيد مروان خطاب: همة عالية، بديهة سريعة، ذكاء حاد، عرف به الشهيد مروان خطاب الذي ولد عام 1962 بدمشق – ميدان – لأسرة كريمة عرفت بذودها عن الدين.  حاز الشهادة الإعدادية ثم انصرف للعمل بمهنة الطباعة.  انتسب لأحد الأعمال المسجدية ليغرف من العلوم الدينية بكل اهتمام.  عرف شهيدنا بكرمه وتواضعه وإيثاره وتضحيته الكبيرة ونكران الذات، مما جعله مهوى فؤاد جميع إخوانه.  انضم للعمل المسلح ولوحق عام 1980ووفقه الله إلى بعض الأعمال الجهادية، وكانت آخر ملاحمه البطولية يوم كسر جبروت الطغاة ودافع عن قاعدة الشيفونية موقعاً وإخوانه إصابات بالغة بالأعداء، ثم نال الشهادة مروياً بدمه الزكي ثرى دمشق الطهور فدى الإسلام العظيم

One thought on “مذكرات القائد الشهيد أيمن شربجي رحمه الله (24): استمرار آثار عملية الأزبكية، واستمرار قوافل الشهداء والمعتقلين

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s