مشاركة متميزة: التشييع….في ذاكرتي

جلست البارحة أتابع تشييع ضحايا التفجيرين الإرهابيين الذين حدثا في دمشق.

لا أريد الحديث عن هوية المفجر,فقد صدر من التحليلات الكثير,و أعتقد أن الأمر بات واضحاً للجميع.

ولا أريد الحديث عن الشهداء وهوياتهم,فقد أصبحوا عند ربهم ولا يسعني الآن إلا أن أدعو لهم بالرحمة.

لكن أريد الحديث عن الآلام التي ملأت نفسي عندما قارنت التشييع الذي شاهدته البارحة بكل تشييع خرجته في مدينتي حمص,والتي لم يمر عليها يومٌ إلا و شيعت فيه خيرة شبابها….

جلست أتابع وجوه المشيعين والقسوة التي قطرت منها,كيف لا وقد خرجوا للمتاجرة بدماء الشهداء لا لتشييعهم.أصغيت لهتافاتهم,وراقبت أعينهم,أحسست بمعاناتهم وهم يعتصرونها أملاً أن تذرف دمعةً تلتقطها الكاميرات.

قلت لنفسي”هدول بيكونو حاسين بشي اسمو إيمان, وبيحتسبوا الثواب عند ربن متل ما منحتسبه نحنا؟”

عادت بي ذاكرتي إلى تشييع الشهيد جمال الفتوى,لا أذكر أني أحسست طوال حياتي بخشوعٍ وإيمانٍ كما أحسست يومها.ربما لأنه كان أول تشييع حضرته,أو ربما لأن جمال رحمه الله كان على درجة عالية من الإيمان,أو ربما لأننا كنا في شهر رمضان شهر الرحمة…..

كان تشييعه من جامع المريجة في باب السباع,معظم شباب حمص خرجوا يومها لتشييعه.ألقى يومها أحدهم على مسامعنا وصية الشهيد,كان من أبرز ما أذكره عنها قوله “يا إخواتي نصيحة اقرو عن الشهادة أكتر,أنا قريت عنها وبتمنى من الله يرزقني ياها برمضان”

لم يبقى أحد في المسجد إلا وبكى,أذكر يومها أن صديقي الذي طالما اتهمته بالقسوة,أذكر أنه عانقني وأجهش بالبكاء,وماكان مني إلا أن مزجت دموعي بدموعه ثم قال لي”الله يحميك يا أخي ولا يفرجيني فيك أسى”

لا أظن أن أحداً من مشيعي البارحة أحس بحزن ممتزجٍ بالإيمان ممتزجٍ بالسعادة كما أحسسنا يومها…

تابعت متابعتي للتشييع لأرى البوطي”البوطي حاف وليس الشيخ البوطي كما يناديه البعض” يلقي خطبته على مسامع المشيعين..

كم آلمني أن يتحدث أمثاله بالدين,كم آلمني سماعه وهو يتلو القرآن ويروي الأحاديث عن سيد البشر أمام أناس بعضهم من أقذر البشر.كم تمنيت لو أن أحدهم يشوش على التلفزيون السوري ليريحني من سماع نفاقه….و رحت أقارنه ببعض من مشايخ حمص الذين كانوا يشاكوننا بالتشييع.

أذكر تشييع الشهيد حكم دراق السباعي,الملقب بشهيد الإنسانية نظراً لأنه استشهدخلال تواجده مع فريق الهلال الأحمر.كان التشييع في مسجدٍ بالوعر,لم نحدد اسمه إلى الآن,لكنه من المؤكد لم يعد بعد اليوم “جامع الرئيس”

يومها وقف أبوه باكياً طالبا منا الهدوء وألا يلقي المشايخ كلمةً فينا نظراً للتهديد الذي تعرض له من الأمن,فوقف أحد المشايخ,أخذ منه المايكروفون وقال:

“الله يعطيك العافية اخي, إنت أخليت مسؤوليتك, هدا الشهيد قبل مايستشهد كان ابنك إلك, بس هلأ صار شهيدنا كلنا وإلنا الحق فيه, وأنا بدي إحكي كلمتي وأنا مسؤول عنا,ولو بدها تخليكن تطلعوا تشيعوني بكرا أنا رضيان..

ياشباب بدكن ياني أحكي ولا لاء؟

وطبعا باللاوعي كل الجامع ردد الكلمة اللي تعودنا بحمص نقولها بهيك مواقف”الله أكبر…الله أكبر”

موقف آخر تذكرته وأنا أتابع البوطي وأتابع مرافقيه وهالة التقديس التي أحاط نفسه بها.كان ذلك الموقف في تشييع الشهيد طاهر السباعي في باباعمرو.

في ظل انشغال المشيعين بتقبيل الرأس الطاهر لطاهر,اقترب أحد المشايخ من قدمي طاهر,انحنى وقبلها فبكى,ثم عاد فقبلها فبكى….

اقتربت منه فسمعته يقول”انشالله دمك مابيروح رخيص,وما رح نوقف بإذن الله”

وقفت مذهولاً”ياالله شوهاد,الشيخ اللي بيصلوا الآلاف وراه نهار الجمعة,عم يبوس رجلك ياطاهر,كيف بدنا ننهزم وفينا هيك ناس”

قلت لنفسي”فرق كبير كتيييير بين مشايخنا ومشايخن”

نقطة أخرى استوقفتني وقد لايهتم بها البعض,نظرت إلى التجهيزات الهائلة التي اهتمت بتصوير الحدث,وإلى السيارات التي كانت بانتظار الشهداء ومشيعيهم,”يا لطيف كلو عال24″

فتذكرت المعاناة التي عشتها في تشييع الشهيد رامي الفاخوري من جامع قباء في حي الإنشاءات,والتي لا تشكل شيئاً من المعاناة التي عاشها إخواني في مواقف كثيرة.

كانت المقبرة حيث سيدفن رامي بعيدةً جداً,لكننا لم نهتم بذلك.

انطلقنا سيراً على الأقدام باتجاه المقبرة برفقة سيارةٍ واحدةٍ والتي كانت تنقل الشهيد,خلال سيرنا كان علينا المرور في حي باباعمرو الذي لم يتوقف القصف فيه منذ شهور.الحمدلله تمكنا من تجاوز الحاجز الأخطرفيه,فأخرجت موبايلي لأتصل بأمي وأخبرها أني مازلت في التشييع وأنني بخير,وفوجئت بانقطاع الاتصالات…

لم يكن باستطاعتي العودة,ففي عرف التشييع في مدينتي,أن من أكبر الاخطاء أن تفكر بالعودة من تشييعٍ ما بمفردك لان الشبيحة سيكونون بانتظارك,فتابعت السير معهم دون أن يتوقف تفكيري بأمي,كيف سيكون شعورها عندما تتصل بي لتجد موبايلي مفصولاً ,لاسيما وأن المسافة طويلة ولاسيارات لتقلنا..

في طريق عودتي رأيت أنا وأصدقائي سيارة,ركضنا لعندها متل الي ماشايف سيارة بحياتو,وطلبنا من سائقها توصيلنا فقبل.

جربت يومها لاول مرة شعور الركوب في الطبون الخلفي لسيارة,أو بالأحرى الركوب برفقة صديقين في الطبون الخلفي لسيارة!

عندما اقتربنا أنزلنا السائق واعتذر عن المتابعة لأنه مطلوب ولا يريد المرور بحواجز,أخرجت مالاً من جيبي وشكرته,فزورني وقال “عيب,عيب عليك ابني,ضُبُن وتيسر الله يحميك”

كيف لا وهو من بابا عمرو….

لم تمر خمس دقائق حتى عادت التغطية وتلقيت اتصالاً من أمي:

قلت “ألو ماما أنا كنت بالتشييع وهلأ خلصت,ماما أنا منيح”

فجاوبتني بجاوب مابنساه “يا حقير, أنا قلبي بيحمل تعمل فيني هيك, والله قلت لحالي الولد خلص راح, لك أنا أمك أنا , مشان الله ارحمني….”صمتت لحظات ثم تابعت”وينك هلأ ياقلبي مشان إجي آخدك”

بصراحة كنت قد بكيت كثيراً خلال التشييع, وآخر ما كنت أتمناه أن أعاود البكاء… لكن هذه المرة ليس لأجل رامي, بل لأجل أمي……

آخر نقطة سأتحدث عنها هي حماية مشيعي البارحة:

كان رجال الأمن بالآلاف يحيطون بمشيعي البارحة, مزودين بسلاحهم الكامل لحماية المشيعين من عصاباتٍ قد تهبط عليهم من عطارد, بينما نخرج نحن بصدورنا العارية لنشيع شهداءنا في مواجهة الرصاص…

أكثر ما أذكره عن الخوف, تشييع الشهيد عبد الكريم السيوفي في باب السباع…

تسللت انا وصديقي يومها إلى الحي وتوجهنا إلى جامع المريجة “مقر التشييع في باب السباع” فوجدناه مغلقاً.سألت الناس عن السبب فقالوا أن الأمن منعهم من تشييع الشهيد منه, فتوجهنا إلى جامع عوف والموجود في نفس الحي حيث نقل التشييع إلى هناك دون ان ندرك تماما ماالذي ينتظرنا…

دخلت إلى المسجد لأرى الخوف يملأ وجوه الناس هناك, وقف الإمام وقال لنا “يا شباب,الي جاي من برا الحارة يضل مع أهل الحارة, الأمن مهددنا بمجزرة, عالقليلة سكان الحارة بيعرفوا الشوارع الفرعية وبيقدروا يهربوكن”

لن أدعي الشجاعة, عندما سمعت قوله أحسست ان ساقاي لم تعدا قادرتان على حملي, لا أستطيع وصف شعور الإنسان عندما يعلم أنه مهدد بمجزرة عند خروجه من المسجد!!

صلينا صلاة الجنازة, وأنا أعلم أنها قد تكون آخر صلاةٍ لي…

ثم رددنا معاً دعاء “بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولافي السماء وهو السميع العليم” عسى أن يحمينا الله بحمايته, وشعرت براحةٍ نسبيةٍ بعد الدعاء وانطلقنا من المسجد…

حمل بعض الشباب الشهيد بسرعةٍ إلى المقبرة, وتفرقنا نحن بسرعة, وماهي دقائق حتى سمعنا جبهة من الرصاص فتحت في باب السباع, سقط العديد من الجرحى يومها لكن لم يستشهد أحد ولله الحمد…

استمر التشييع في المسجد الأموي لكني لم استطع بعد كل تلك الذكريات الاستمرار في متابعته, لم استطع الاستمرار بمتابعتهم وهم يهتفون بالروح بالدم نفديك يابشار, ويرفعون صوره عوضاً عن رفع صور الشهداء..

وقلت لنفسي “أي وطن هذا الذي يسمح للقاتل بتشييع ضحيته, ولا يسمح لأهل الشهيد بتشييع ابنهم!!”

منذ تشييع الشهيد طاهر السباعي لم احضر أي تشييع…

لا لأن الموت في مدينتي توقف…

بل لأنني ماعدت قادرا ًعلى الخروج من حارتي..

لأن قسماً من الشهداء لم يعد يسلم لأهله..

لأن الشهداء أصبحو يدفنون سراً قبل أن يصلنا خبر استشهادهم..

أطفأت التلفاز وشغلت كمبيوتري, بحثت عن مقاطع لكل تشييعٍ حضرته, وتابعتها بحزن عميق, لكن مالبث أن انتابني شعور بالغٌ بالرضا…

كيف لا وأنا أعلم أن الله يعلم حالنا وأن الظلم لايدوم… كيف لشعب عظيم قدم كل هؤلاء الشهداء ألا ينتصر… فليشيعوا الشهداء كما أرادوا… غدا سيأتي يوم نصلي فيه صلاة الغائب على أرواح شهدائنا كلهم… سنصليها في جامع جدنا خالد بن الوليد… ثم سنملأ الشوارع بين ساعتي حمص القديمة والجديدة…. سنصور كما نريد ونحتفل بنصرنا كما نريد… سنمضي وقتاً طويلاً دون ان نخشى أحداً….

وسيرى الله صدقنا, وأنا ماخرجنا إلا في سبيله…

4 thoughts on “مشاركة متميزة: التشييع….في ذاكرتي

  1. كلمات صادقة ..أسأل الله لكم الثبات والقبول
    اللهم لك الحمد أن أنشأت فينا هؤلاء الشباب الأطهار..اللهم تقبلهم في عداد الشهداء
    وألحقنا بهم وأنت راضٍ عنا…اللهم آمين

  2. بارك الله فيك أخي ورزقك الفردوس الأعلى وجمعنا بك في الدنيا في وسط هذه المدينة الصامدة فنصلي ونحتفل ونتعاهد ان نجتمع كل جمعة فيها فنصلي الجمعة هناك
    والله أبكيتني وإنك قد أبكيتني على نفسي أولا لأني في الخارج ولا أستطيع العودة لأني مطلوب وقد فاتني كل هذا الخير وأبكيتني أن
    أحفاد الصحابة هؤلاء الصامدون في بلاد الشام لا يضرهم من خذلهم بأني كنت بعيدا عنهم

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s