معيار الانتصار الحقيقي للثورات (رابطة المثقفين السوريين)

تختلف وجهات النظر في تحديد صورة الانتصار الحقيقي في المعركة القائمة اليوم في ربيع العالم العربي المزهر , ولكل ثورة وجهة ورؤية خاصة في تحديد خطوط حمراء لا يصح تجاوزها أو التنازل عنها في مسيرة الثورة, وتعتبر خرقها فشلا في تحقيق النصر المنشود , وسرقة للحراك الشعبي وإجهاض للثورة …

و بعيداً هنا عن الجدل السياسي والخلاف القائم في تحديد مسلمات للثورات  , ومناقشة “لاءات” الثورات, والتي ربما تختلف حولها وجهات النظر جزئياً , ويصح مراجعتها في كل مرحلة من مراحل الثورة  , بحسب الظروف التي تستجد عليها …

إلا أننا نرى أن هناك “لا” جوهرية , لا يصح التخلي عنها , ولا نقبل مراجعتها أو التنازل عنها أو نسيانها ؛؛ “لا” محورية  , نقيّم من خلالها مسيرتنا في الثورة , وتنمتحن على أساسها تقدمنا من تأخرنا ,,, ألا وهي … “لا” للمداهنة في الدين !! …”لا” للتخلي عن الشريعة !!… “لا” لاجتزاء صورة الإسلام !!…. و” نعم ” للثبات على الحق !!… “نعم” لنصرة شرع الله !! …و”نعم”للدخول في السلم كافة !!

إن الأزمة الحقيقية  لأمتنا في عقودها القريبة التي مضت وحتى اليوم … ممثلة في مؤسساتها وجماعاتها وحركاتها السياسية منها خاصة … هي في اجتزائها لصورة الإسلام الشاملة, ونبذ بعض تعاليمه وهداياته  ظهريا,, و ولاءاتها المشبوهة  أحياناً,, ومداهناتها أحيانا أخرى .. وعدم وضوحها في كثير من مسلمات الدين و قطعيات الشريعة , في التنظير والتقعيد على الأقل, فضلاً عن الممارسة  والتطبيق… كل ذلك بحجة التكتيك والمرحلية ومواكبة متطلبات العصر والعولمة .. ولتلقي الدعم اللوجستي والمادي وكسب الشرعية الدولية وغير ذلك من التبريرات … والله تعالى يقول : “يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ” …ويقول: ” أفتؤمنون ببعض الكتاب .. وتكفرون ببعض ” !! وهذا ما ينبغي تجاوزه في المرحلة الحرجة التي تعيشها الأمة اليوم , وحول هذه القضية تضع رابطة المثقفين بين أيديكم الملاحظات التالية :-


 

  1. إن الانتصار الجوهري و الحقيقي في معاركنا وحراكنا اليوم وفي كل يوم ,  هو في الثبات على دين الله تعالى , وتسييس كل حراك شعبي في طريق تحقيق العبودية لله تعالى , وترسيخ قيم الشريعة العظمى , وتعبيد القلوب لعلام الغيوب , وتعليق الناس بربهم وخالقهم , وإرجاع الأمة إلى ربها,, والفرار بها إليه وحده … وإلا ! فما قيمة أن نتحرر من أغلال العبودية للطغاة والغرب والفرس .. لنجد أنفسنا بعد ذلك عبدة للهوى ولأنفسنا والشيطان !!
  2. يتوجب علينا جميعاً مع ذلك أن نوقن يقيناً لا شك فيه .. يقيناً يُترجم واقعاً في حراكنا وخططنا ومسيرتنا الثورية … أنه لن يتحقق لنا نصر ٌ من عند الله تعالى حتى ننصر دينه وشريعته , مصداقاً لقوله تعالى: ” إن تنصروا الله ينصركم ” وقوله :”وما النصر إلا من عند الله”, ولنعلم أنه وإن تحقق لنا شيء من النصر الظاهر , مع تراجع أو تخلي عن بعض قطعيات الشريعة ومحكماتها… فإنما هو نصر مزيف … واستدراج من الله تعالى !! بل يجب أن لا يغيب عن خاطرنا أبدا ,, أننا و إن اتفق العالم كله ضدنا… ليئد ثوراتنا ويلتف عليها , ويسيّسها كما يشاء ويسرقها… ليرغمنا على التنازل عن ديننا ومسلماتنا الشرعية … فإنه وإن فعل ذلك وتحقق مشروعه… أهون علينا من أن نرتد أو نتراجع عن ديننا قيد أنملة … وأن ثباتنا على ديننا هو طريق النصر الحقيقي ولو كلفنا ذلك أرواحنا ودمائنا وأموالنا !! ولنتذكر دائما ” ليس عليك هداهم ” …” إن عليك إلا البلاغ” ….
  3. لا نقلل مع هذا من شأن الأخذ بالأسباب الكونية , وأهميتها في المدافعة , لكشف الغمة وتحقيق مطالب حراكنا الشعبي … ويدخل في ذلك كل جهد و تحالف وتكتل وتنسيق لثوار الداخل والخارج في تصدير الثورة عالميا , و كسب استعطاف دولي ومجتمعي .. وفضح جرائم النظُم  الحاكمة  الجائرة , وكشفها للعالم على حقيقتها القذرة , وإظهار كذبها وخيانتها .. وسحب غطاء الشرعية الدولية عنها … تحقيقاً لقول الله تعالى : “وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين” ..  ولا تعارض بين هذا الأمر وما سبق… فليس من الصعب أن نسعى لتحقيق مطالبنا في حراكنا ونمضي قدماً في ثوراتنا ببذل كل سبب ممكن ونحن مع ذلك ,, ثابتون على طريقتا ومبادئنا .. وهذا هو الكمال المنشود.
  4. تواترت الأخبار والروايات , وأثبتت صور وفيديوهات الثورات القائمة , تغيراً  ايجابياً  ملموساً في واقع المجتمعات الثائرة  التي انتصرت أو التي تنتظر استكمال ثورتها , حيث تمكّن أهل الدين من إظهار ما عندهم من الحق , ونشر دعوتهم ومبادئهم … كما أزيلت القشرة عن كثير من أهل التقصير والهوى ليعودوا إلى رشدهم ودينهم , وتعلقت قلوب الثوار بالله تعالى , وعاشوا حقيقة التوكل عليه ” يا لله مالنا غيرك يا لله” .. بل أصبحوا يلقنون العالم معاني الصبر عند الصدمة الأولى, و دروس الإخلاص والتجرد” هي لله , هي لله .. لا للمنصب لا للجاه” , والصدع بالأمر بالمعروف وعدم الخوف في الله لومة لائم …وغيرها من المشاهدات التي لم تعد تخفى .. وهذا هو المكسب الحقيقي , وهو ما يُثلج الصدر, وتقر به العين .
  5. بعيداً عن المبالغة… فليست الصورة السابقة هي السائدة .. لذا فنحن بحاجة إلى دعم تلك المظاهر, والتأكيد على أهميتها في إنجاح الثورة, وإبراز هذه النماذج إعلامياً والثناء عليها وتمجيدها والتعظيم من شأنها , وجعلها رمزاً لثوراتنا المباركة … إضافة إلى ذلك فنحن بحاجة إلى تكثيف الجهود في توجيه ثوار الداخل والخارج , وتوعيتهم وتذكيرهم بهذه الأمور, وتقصُّدهم ببرامج خاصة تؤكد على معاني الاسلام ومبادئه ومسلماته , وأدبياته الراقية السمحة  .
  6. “الغاية لا تبرر الوسيلة ” قاعدة شرعية أصيلة ينبغي الالتزام بها وعدم تناسيها مع زحمة العمل للثورة , فكم من محظور شرعي , ومنكر ظاهر, أو شبهة على أقل تقدير, تساهلنا في الأخذ بها! حتى ربماتبلد إحساسنا عن إنكار بعضها , وألفتها قلوبنا !! والتبرير لذلك أنه  في سبيل نصرة الثورة ودعمها !! لذا وجب أن ننبه هنا إلى أهمية التناصح بالحسنى , وإنكار المنكر, والأخذ على يد المقصر , وخطر السكوت عن الباطل  والخطأ البين , وأنه طريق الهزيمة والفشل وتأخر النصر, ولنحذَر من اللعنة التي أصابت بني إسرائيل حيث أنهم” كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه .. لبئس ماكانوا يفعلون”, وليس المقام هنا مقام ضرب أمثلة على ذلك… لكننا نذكر بقول الله تعالى :     ” إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلاً ” .
  7. لا يعني بالضرورة عند تأكيدنا على هذه المعاني , أننا يجب أن نسقط -على النقيض من ذلك-المقصرين والمقتصدين في هذا الشأن,  أو أن نهمشهم , فنحن ندرك أن هذه ثورة الجميع , وقد انضم إليها كل أطياف مجتمعاتنا وإن الله ليعز هذا الدين بالرجل الفاجر … لكن المسألة مدافعة بين الحق الباطل , ودعوة لأسلمة الثورة واغتنام الفرصة قدر الإمكان , لتوجيه شبابنا للأخذ بتعاليم ديننا وهداياته قدر الإمكان … ومهما اختلفت وجهات النظر حول هذه القضية ,ودعوى المرحلية التي ينادي بها البعض ! إلا أننا يجب أن لا نتجاهل دورنا المنوط , ومسؤوليتنا التي لا تنفك عنا , تجاه من يموت أو يقتل في هذا الحراك وهو ربما لم يدرك على شيء يقتل! وفي أي سبيل يموت! فلنتقي الله في شعوبنا وأمتنا !!

وفي الختام … فإنما أردنا التأكيد بهذا البيان على أهمية العمل بالسبب الشرعي السماوي في استجلاب النصر , جنباً إلى العمل بالأسباب الكونية .. ننبه بهذا الغافل .. ونذكر الناسي .. ونشد على يد المقتصد .. ونثبت السابق بالخيرات .. ونستحث الجميع على المراجعة والاستدراك .. ونرسخ في الأذهان أن النصر الحقيقي هو في الثبات على شرع الله تعالى .. وتبعاً لذلك يكون التمكين  بإذن الله:”ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون” … والحمد لله رب العالمين . 

رابطة المثقفيين السوريين

رابطة المثقفين السوريين

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s