بسم الله الرحمن الرحيم
بقلم الأستاذ محمد أسد مدير المركز الإعلامي لدعم ثوار حمص
كثرت التسريبات مؤخرا حول صفقة تُعد في أروقة صناعة القرار الغربية بمشاركة روسية وعربية (مما قد يفسر حالة الجمود والصمت من طرف الجامعة) لتأمين ملاذ أمن لبشار أسد وعصابته خارج سوريا وإعطائهم الحصانة الكاملة، وتسليم مؤسسة الجيش إلى شخصية تنتمي إلى الأقليات، في حين سيُسمح لقادة الجيش الحر وبعض الثوار بالإنضمام إلى الجيش والأجهزة الأمنية لتأمين المرحلة الإنتقالية.
بغض النظر عن مدى صحة هذا السيناريو لاسيما نظرا لصعوبة تحقيقه، إلا أن تركيز الغرب وجزء كبير من المعارضة السورية ولا سيما التي لم تشارك في الحراك الثوري داخل سوريا والتي تأخذ من العواصم الغربية مركزا لها يثير كثيرا من التساؤلات وقدرا لا بأس به من الاشمئزاز والشعور بالاستهداف من قبل الأغلبية، أي الطائفة السنية.
لو أن تاريخ سوريا منذ الفتح الإسلامي على يد الصحابة والخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم كان حافلا بحقبات القمع والإقصاء من قبل الأغلبية السنية تجاه الأقليات وصولا إلى العصر الحديث لما استغربنا هذا الحرص على مستقبل الأقليات بعد سقوط الأسد، ولكننا ما زلنا نعيش الفصول الأخيرة لجحيم الأغلبية في سوريا التي ذاقت الموت والتشريد على يد نظام طائفي، أفليس من باب أولى أن يهب المجمتع الدولي لحماية هذه الأغلبية المسحوقة والتي تتعرض لحرب إبادة جماعية ممنهجة منذ عقود؟
لقد تعرضت سوريا لحملات الصليبيين والإحتلال الفرنسي وفي كلا الحالتين كان لبعض الفئات من الأقليات دورا مفضوحا في مساعدة الغزاة والتأمر على أهل البلاد وصولا إلى المطالبة بدولة منفصلة، فهل كانت ردة فعل الأغلبية بعد دحر المحتلين هو التضييق على الأقليات أواستهدافها بأي شكل من أشكال التصفية أو الملاحقة على أسس طائفية؟ أم أن أول رئيس وزراء سوري بعد الاستقلال كان من أبناء الطائفة المسيحية، فارس بيك الخوري؟ تخيلوا ما كان سيؤول إليه وضع الأقليات المسلمة في أوروبة بعد “احتلال إسلامي” لهذه البلاد الديموقراطية العلمانية، ولن نعود بالذاكرة إلى محاكم التفتيش للرد على هذا السؤال فقوانين مكافحة الإرهاب العنصرية ما تزال سارية المفعول في يومنا هذا.
حقيقة الحرص الغربي على الأقليات هو ترسيخ لقواعد اللعبة التي فرضتها فرنسا إبان احتلالها لسوريا، حيث حرصت على تسليم الأقليات زمام الجيش وتسليحها حتى تُبقي الأغلبية السنية تحت سيطرتها وتضمن عدم قيام كيان قوي معارض، ومن هذا المنطلق أنشأت فرنسا “القوات الخاصة للشرق الأدنى” معتمدة على الأقليات العلوية والدرزية والإسماعلية، وبهذا تكون فرنسا قد وضعت حجر الأساس للجيش اللاعقائدي الطائفي الذي جنى ثماره حافظ أسد وما زلنا نذوق ويلاته إلى اليوم. بالطبع، هذا لا يعفِ الأغلبية السنية من مسؤوليتها عن تطور الأمور حتى الوصول إلى ما وصلنا إليه اليوم، فقد تعمدت هذه الأغلبية عدم إرسال أبنائها إلى الجيش لاعتبارات إجتماعية سطحية والتفتوا إلى التجارة وتركوا أمور الحرب لغيرهم، في حين دفعت الأقليات بأبنائها إلى الجيش متبعين الخطوط العريضة التي رسمتها فرنسا لمستقبل هذا البلد حتى بعد ذهابها، فانطبق على أهل السنة في سوريا قول رسول الله صلى الله عليه و سلم: “إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع ، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم”.
إن بقاء الأغلبية السنية تحت سيطرة الأقليات المسلحة في سوريا هو أهم إرث تركته فرنسا خلال احتلالها لسوريا ليتحول فيما بعد إلى أحد أهم ثوابت السياسات الغربية في الشرق العربي وركن أساسي في المنظومة الأمنية الإسرائيلية.
وإذا ما تجاوزنا هذه الحقيقة، فإن فكرة بناء المجمتع حول مصالح الأقليات والإصرار على تسليمها زمام أمور الدولة في بلد فيه أغلبية واضحة هو أمر معاكس لمبادئ الحكم وبناءالمجتمع. فحتى لو نظرنا إلى الدول الغربية التي انبرت للدفاع عن مصالح الأقليات في سوريا، نرى كيف تمحور بناء هذه الدول وصياغة دساتيرها وقوانينها وحتى عطلها الرسمية حول هوية الأغلبية دون أي حرج في حال أي تصادم مع مصالح الأقليات، وهذا ما يمليه العقل والمصلحة العامة في الحقيقة.
إن الأغلبية السنية هي الوحيدة القادرة على إستيعاب جميع الأقليات في سوريا وتوفير المناخ الملائم لانخراط هذه الأقليات في بناء الدولة السورية وتوفيرحقوقها كاملة. ولا نقول هذا الحديث من باب تفضيل طائفة على أخرى ولكن من باب سرد الحقائق، فهي الفئة الوحيدة في المجتمع السوري القادرة على تجاوز عقدة الأقليات التي تتحكم بعقلية وسلوك الطوائف الأخرى، وهذه سمة عامة تنطبق على جميع الأقليات في تاريخ البشرية، والتي تدفعها إلى التركيز على الحفاظ على بقائها على حساب المصلحة العامة لشعورها بأن وجودها ومصالحها تحت تهديد مستمر في بحر الأغلبية التي تعيش فيه، مما يسلب منها القدرة على قيادة المجتع بالمستوى المطلوب، ويجعل جل همها يتركز على تهميش الأغلبية و ابعادها عن المراكز الحساسة في الحكم ولا سيما الجيش، ويزيد من قابليتهم لاستعمال العنف المفرط في الدفاع عن هذه المكاسب والتشبث به، وهذا ما رأيناه واضحا في العقود الأربعة الأخيرة في سوريا. كما أن حكم الأقليات كما أثبت التاريخ وكما أثبتت مجريات الأحداث في سوريا يتميز دائما بارتباط هذه الأقليات بأطراف خارجية مرتبطة بها طائفيا تجعل القرار الوطني تحت الوصاية.
إن ما حمى الأقليات في سوريا على امتداد تاريخها وضمن لها حقوقها ومشاركتها الفعالة في مختلف أوجه الحياة هي عقيدة وقيم هذه الأغلبية المظلومة، وليس مجموعة من القوانين كالتي سنها الغرب لمواطنيه وألزمهم بها حفاظا على المظاهر وضمانا لاستمرارية الحياة الاجتماعية والاقتصادية في مجتمعاتهم التي اضطرت إلى قبول هجرات كبيرة من “المستعمرات”، و باتت تعتمد على العمالة المهاجرة وفي حين ما زالت العنصرية والطائفية تعشش في قلوب معظم مواطنيهم.
إن عودة الأغلبية السنية إلى تولي سدة القيادة هو الخيار الوحيد لبناء دولة عصرية تعددية حقيقية، وهذه الحقيقة ليست امتيازا لهذه الطائفة، بل هي مسؤولية تاريخية تقع على عاتقها، وهي التي حملتها لقرون ناصعة ولكنها أخفقت في ذلك في العقود الأخيرة، فدفعت البلاد بل المنطقة بأسرها ثمن ذلك.
سنسمع أصواتا تتهمنا بالطائفية وما شابه، ولكل أولئك نقول: إخرسوا، مالكم لا تعدلون ولا تعقلون. أيعقل أن تتهمونا بالطائفية ونحن ما زلنا نرزح تحت نير نظام طائفي مبني على تجييش الأقليات والتحكم بها؟ أيعقل أن نُتهم بالطائفية وحوالي 99% من شهداء الثورة السورية هم من أهل السنة؟ أيعقل أن يكون الجيش الطائفي على أبواب حمص يحضر لمجزرة جديدة بعد مجازر درعا وحماة وإدلب وتخرج علينا السيدة كلنتون لتطالبنا بتقديم ضمانات للأقليات بدلا من أن يهب المجتمع الدولي بأكمله لحماية المدنيين في سوريا؟
سيقول البعض أننا ننزع من الثورة السورية سمة التعددية وكونها ثورة المجتمع السوري بأكمله، ولهؤلاء نقول: خسئتم، بل هي ثورة كل حر شريف في سوريا بل وفي العالم أجمع، انبرى لها أهل السنة في سوريا من عرب وأكراد، متحملين مسؤوليتهم التاريخية من جديد، ليبنوا على جماجمهم ودمائهم أسس دولة جديدة، دولة الحرية والكرامة، ثورة قادتها الطائفة المظلومة لتجسد أحلام كل الطوائف، ولا سيما المثقفين منهم ومعهم كل من تمكن من التحرر من أتون التجييش الطائفي الذي تحكم بهم لعقود.
الأقليات أمانة في عنق الأغلبية أمام الله سبحانه وتعالى، ولا نحتاج لتقديم أي ضمانات للغرب أو غيره، عقيدتنا وتاريخنا فوق أي مساءلة مهما كان مصدرها.